القرطبي
374
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
كيف أنتم ؟ وسألها عن عيشهم وهيئتهم فقالت : نحن بخير وسعة وأثنت على الله . قال : ما طعامكم ؟ قالت : اللحم . قال فما شرابكم ؟ قالت : الماء . قال : اللهم بارك لهم في اللحم والماء . قال النبي صلى الله عليه وسلم : " ولم يكن لهم يومئذ حب ولو كان لهم دعا لهم فيه " . قال : فهما لا يخلو ( 1 ) عليهما أحد بغير مكة إلا لم يوافقاه ، وذكر الحديث . وقال ابن عباس : قول إبراهيم " فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم " سأل أن يجعل الله الناس يهوون السكنى بمكة ، فيصير بيتا محرما ، وكل ذلك كان والحمد لله . وأول من سكنه جرهم . ففي البخاري - بعد قوله : وإن الله لا يضيع أهله - وكان البيت مرتفعا من الأرض كالرابية تأتيه السيول فتأخذ عن يمينه وعن شماله ، وكذلك حتى مرت بهم رفقة من جرهم قافلين من طريق كذا ، فنزلوا بأسفل مكة ، فرأوا طائرا عائفا ( 2 ) فقالوا : إن هذا الطائر ليدور على ماء ! لعهدنا بهذا الوادي وما فيه ماء ، فأرسلوا جريا أو جريين ( 3 ) فإذا هم بالماء ، فأخبروهم بالماء فأقبلوا . قال : وأم إسماعيل عند الماء ، فقالوا : أتأذنين لنا أن ننزل عندك ؟ قالت : نعم ولكن لا حق لكم في الماء . قالوا : نعم . قال ابن عباس قال النبي صلى الله عليه وسلم : " [ فألفي ] " ( 4 ) ذلك أم إسماعيل وهي تحب الأنس " فنزلوا وأرسلوا إلى أهلهم فنزلوا معهم حتى إذا كان بها أهل أبيات منهم ، شب الغلام ، وماتت أم إسماعيل ، فجاء إبراهيم بعد ما تزوج إسماعيل يطالع تركته ، الحديث . قوله تعالى : ربنا إنك تعلم ما نخفى وما نعلن وما يخفى على الله من شئ في الأرض ولا في السماء ( 38 ) الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحق إن ربى لسميع الدعاء ( 39 ) رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبل دعاء ( 40 ) ربنا اغفر لي ولولدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب ( 41 )
--> ( 1 ) في و : عنهما . ( 2 ) العائف هنا هو الذي يتردد على الماء ولا يمضى . ( 3 ) الجري : الرسول . ( 4 ) ألفي أي وجد ذلك الحي الجرهمي أم إسماعيل ، أو ألفي استئذان جرهم بالنزول أم إسماعيل والحال أنها تحب الأنس ، ففاعل ألفي ( ذلك ) و ( ذلك ) إشارة إلى الاستئذان .